التخلف واستراتيجية التدخل لمحاصرته وتحقيق التنمية
كثيرا ما تقترن ظاهرة التخلف و العزلة بالمناطق الجبلية ، حيث البطالة و تدهور الوضع الاقتصادي و الاجتماعي ، وتفاقم الفقر و غياب الخدمات و المرافق الضرورية للسكان كالتعليم و الصحة و الطرقات و غيرها . كل هذه المشاكل و المعاناة التي يتخبط فيها سكان البلديات الجبلية كحال بلديات شمال سطيف التي نحن بصدد دراستها ، ناتجة أساسا عن غياب تدخل حقيقي للدولة من خلال قانون خاص لتنمية المناطق الجبلية ,كما يجب أن يجب أن يكون التدخل من خلال عدة جوانب و تتلخص فيما يلي:
- مرحلة التمحيص والمعاينة و التعرف على الخصائص العامة
- مرحلة التهيئة :بوضع أسس فعالة و ناجحة للإعادة تأهيل المجالات الجبلية
- مرحلة التنمية : بوضع مشاريع طموحة لتحقيق التنمية الاقتصادية و الاجتماعية
- مرحلة الحماية: للحفاظ على المجال الطبيعي و الاقتصادي و الإرث الحضاري
- مرحلة التسيير : أي من خلال اختيار استراتيجية فعالة لتسيير المجال الطبيعي و الاقتصادي و الاجتماعي الذي تزخر به المناطق الجبلية عموما .
في الجزائر باستثناء مرحلة التعرف و التفحص للمجال الجبلي التي تظهر شبه مفقودة عبر مختلف المراحل الزمنية، فإننا نلاحظ التلاحم الموجود بين التهيئة و التنمية و التسيير و يظهر ذالك في مختلف التدخلات على نفس المجال و في نفس الوقت ، بينما يبقى مجال الحماية حلقة مفقودة و ربما ساهم هذا في التراجع و التدهور الذي تعرفه المجالات الجبلية في الجزائر و البلديات الجبلية لشمال سطيف بصفة خاصة في المجالات البئية و التغيير الذي عرفه المجال التضاريسي على الخصوص ، من ظاهرة التعرية و تدهور في الغطاء النباتي و المياه السطحية ،و تراجع في المساحات الزراعية ، مما أثر سلبا على المردودية الزراعية و على السكان .
لقد أصبح من باب الحتمية أن المجال الجبلي يشكل حاليا رهانا قويا الأكثر تنوعا إيكولوجيا ، اقتصاديا ، اجتماعيا و سياسيا ، لهذا فقد تزايد الاهتمام بشكل كبير لتطوير المناطق الجبلية
من أجل الوصول لتحقيق الترافق و التلاحم بين العناصر المختلفة من تهيئة و تنمية و حماية و نسيير باعتبارها تمتلك على إرث طبيعي و بيئي له بعده الوطني و العالمي .
إن تحقيق هذا الهدف يتطلب و بدون شك وضع استرتيجية واضحة و فعالة و عملية في نفس الوقت ، فما هي هذه الاسترتيجية ؟ و ما هي الأسس و الركائز التي يجب اعتمادها في هذا المجال لمواجهة التخلف العزلة و التهميش كتلك التي تعيشها بعض البلديات الجبلية لشمال ولاية سطيف خاصة واد البارد و تزي نبشار ، و من خلال ذلك سوف نصل بدون شك من خلال هذه الاسترتجية حل المشاكل الكبرى منها التخلف العزلة و التهميش والناتج عن تدهور الوضع الاقتصادي و الاجتماعي و حتى الطبيعي التي تعيشها الكثير من المناطق الجبلية في الجزائر كحالة و البلديات الشمالية لولاية سطيف على الخصوص واد البارد و تزي نبشار و الدهامشة ، وهي تتطلب خطوات شجاعة و جريئة و التي تتلخص في النقاط التاليــة:
1-الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المناطق الجبلية، باعتباره مجال طبيعي هش ، واضبح الآن أكثر هشاشة بسبب ظاهرة النمو الديموغرافي الذي شهدته المناطق الجبلية في الجزائر و ولاية سطيف خصوصا عموما و البلديات المدروسة على سبيل المثال ، بحيث شكل هذا النمو ضغطا على كبير على الامكانات الطبيعية لهذه المناطق في ظل الانفتاح الاقتصادي الذي تعرفه الجزائر منذ التسعينيات فأصبح من باب الضرورة حماية الإرث الثقافي و التاريخي لهذه المناطق الذي بدأ يمسه الإهمال و سيصبح في طي النسيان أمام استمرار معاناة هؤلاء السكان باستفحال ظاهرة التخلف و التهميش و العزلة .
2- حتمية الاعتماد على على تنوع النشاطات الاقتصادية، بحيث لا يمكن لنشاط واحد مثل الزراعة حاجيات السكانية المتزايدة و المتنوعـة بسبب التطور الحضاري للمجتمع الذي لم يبق كما كان في السبعينيات من جهة و ظاهرة النمو السكاني المستمر. هذا يتطلب و بدون شك إيجاد توازن بين النشاطات التقليدية الغالبة مثل الزراعة و الرعي و الأشجار الثمرة و الحرف الريفية التقليدية المختلفة التي حافظت على التراث القديم الذي ميز الحياة
القديمة في هذه المناطق، و النشاطات الحديثة مثل التجارة و الخدمات و السياحة و الصناعة
التي تعبر محدودة و تمس فقط بلدية واحدة و هي عين الكبيرة .
3-يجب أن يكون تدخل الدولة من باب تحسين الأوضاع و تحقيق الفائدة من خلال تحقيق المردودية الاقتصادية مع احترام القيم الاجتماعية و الثقافية الضاربة في ماضي التاريخ كالعادات و التقاليد و الحفاظ على التضامن و التكافل و التضامن الاجتماعي، خاصة أمام ضعف و هزالة المردود الاقتصادي خاصة الزراعي الذي يمارسه سكان هذه المناطق .
4- الاعتماد على التوجه الشامل و المندمج و المنسجم و الابتعاد على الارتجال و التوجه المشتت، وهذا من خلال تنسيق مجمل البرامج و التدخلات الموجهة للتهيئة و التنمية و حتى لتسيير و حماية هذه المناطق من خطر التحولات السلبية كتدهور المجال الاقتصادي و الطبيعي و إفراغ العالم الريفي لهذه المناطق من محتواها البشري كما حدث في بعض البلديات مثل واد البارد و تزي نبشار و الدهامشة .
5- الضرورة الملحة على أن تستفيد هذه البلديات من التدخل السريع للدولة ة و السلطات المحلية لعدة مبررات يمنكن تلخيصها في ما يلي:
*-كونها مناطق تعرضت منذ القديم للتهميش و العزلة و التخلف مشاكل
عان و لا يزال يعاني منها سكان هذه المناطق المحرومة ، مقارنة مع مختلف
المناطق الأخرى خاصة السهلية و الساحلية التي استفادت من تدخلات متعددة
متعددة للدولة و هذا من باب ما يسمى باحترام بالأولويات ، ولكونها لا تتطلب
أموال كبيرة و هي سياسة انتهجت منذ عقود من الزمن.
*-كون أنالبلديات ذات الطابع الجبلي تمتاز بتكلفتها العالية بسبب عوائقها الطبيعية
خاصة التضاريسية و المناخية ، التي ساهمت في تهميشها و تخلفها منذ القديم
و تأخر تدخل الدولة لإنقاذها و تنميتها.
*- ضعف إمكانية تدخل الممثلين المحليين في المجال التنمية خاصة الاستثمار في مختلف
الأنشطة خاصة الزراعية منها و التوجه إلى الاستثمار خارج النطاق المحلي لهذه
البلديات لغياب تدعيم الدولة من جهة و لأن نتائجها ليست مضمونة لتحقيق
الربح السريع الذي يسعى إليه المستثمرين المحليين، مما جعلهم يختارون مناطق
أخرى خارج هذه البلديات و الاستقرار في مركز الولاية أو الولايات الأخرى
باستثناء فئة قليلة التي استثمرت في مجال البناء و صناعة مواد البناء خاصة في
عموشة و أولاد عدوان على سبيل المثال . وهذا كله يتطلب تدخل الدولة رسميا
لتشجيع الاستثمار و التنمية في البلديات المهمشة .
*- ضرورة انخراط السكان المحليين في مجال التهيئة و التنمية و التسيير و الحماية من خلال تكثيف جهود و دور الجمعيات و الإدارة المحلية و القطاع الخاص المحلي الذي يميز
بعض من بلديات منطقة الدراسة خاصة عين الكبيرة و عموشة و أولاد عدوان الذي لم
يجد التشجيع و الدعم و المساندة الكافية من قبل السلطات المحلية و الدولة عموما ، بحيث
من شأنه أن يحقق التنمية من خلال الفعل التساهمي المحلي و ليس من خلال تنمية مفروضة
من الخارج و تكون نتائجها كارثية لأنها قد لا تتوافق مع طموحات و خصوصيات هذه المناطق الطبيعية و الاقتصادية والثقافية و الحضارية للمجتمعات الجبلية .
*- توجيه المجهودات لتنمية و تطوير الخدمات الاجتماعية العمومية مثل الصحة و التعليم و السكن خاصة الريفي منه و فك العزلة من خلال الطرقات و توفير النقل لفك العزلة على القرى و المداشر و حفاظا على استقرار السكان و مواجهة النزوح الريفي نحو المراكز الحضرية
*- المعرفة الكافية للنظام الإنتاجي المحلي خاصة الزراعي من حيث فاعليته و تلائمه مع المعطيات المحلية و ضرورة تأهيله لاستخدام الطرق الحديثة مجالات التنمية خاصة الزراعية ، حيث نلاحظ أن طابع الزراعة التقليدية لازال يميز الزراعة في معظم من البلديات خاصة
على مستوى المناطق الجبلية أين نجد حضورا كبيرا للملكيات الفردية و الزراعة المعاشية التي تعتمد بشكل شبه كامل على الظروف الطبيعية.
*- التدخل السريع لمواجهة العزلة و التهميش المضروب على القرى و المداشر في المناطق الجبلية التي تعاني من ضعف شبكة المواصلات وقلة الخدمات الصحية و التعليمية ، بحيث أن دراستنا لهذه المجالات جعلنا نقف على حقيقة مرة و تفاقم معاناة السكان الريفين من صعوبة
التنقل و ضعف التعليم و الخدمات الصحية التي ليست في متناول الجميع .
*- ضرورة التوجه إلى التغيير الايجابي و الفعال لأن التنمية تعمد بالأساس على العنصر البشري
وذلك من خلال تغيير العقليات و الذهنيات من أجل تسهيل الاندماج و التأقلم مع التطورات الجديدة المتمثلة في الانفتاح على الآخر ،وهذا معناه ضرورة تدعيم السكان المحليين على الاندماج في الطرق الحديث للتنمية و توديع الوسائل القديمة لكن مع الحفاظ على الحرف الريفية ، كل هذا من خلال استغلال و استثمار الإمكانيات المحلية المتوفرة في إطارها الصحيح و الحقيقي من حيث الزمن ، الثروات ، الفقر ، المصلحة و مردودية التنمية نفسها.
إن تجسيد كل هذه الأفكار سوف يحقق بدون شك أهدافه التي نسعى من و رائها لمواجهة تفاقم هذه الهوة في مجال التنمية بين المناطق الجبلية و غيرها من المناطق، وسوف تحاول بدون شك مواجهة ظاهرة التخلف و التهميش التي تعاني منها البلديات المدروسة في شمال ولاية سطيف و التي تعتبر نموذجا لمختلف المناطق الجبلية في الجزائر الشاسعة، لأن الظاهرة ليست محدود جغرافيا في منطقة دون غيرها .
الأستاذ: هجرس /م